محمود توفيق محمد سعد
297
الإمام البقاعي جهاده و منهاج تأويله بلاغة القرآن الكريم
فكان الأليق الأنسب بسياق آية سورة " البقرة " اصطفاء الكلمة الأدلّ على قوة الحدث ( انفجرت ) بخلاف سياق آية سورة " الأعراف " . * * * ونقف معه في تأويل قول اللّه عزّ وجلّ في سورة الكهف ( ي : 77 ) فَانْطَلَقا حَتَّى إِذا أَتَيا أَهْلَ قَرْيَةٍ اسْتَطْعَما أَهْلَها فَأَبَوْا أَنْ يُضَيِّفُوهُما فَوَجَدا فِيها جِداراً يُرِيدُ أَنْ يَنْقَضَّ فَأَقامَهُ قالَ لَوْ شِئْتَ لَاتَّخَذْتَ عَلَيْهِ أَجْراً وقوله فيها ( ي : 82 ) وَأَمَّا الْجِدارُ فَكانَ لِغُلامَيْنِ يَتِيمَيْنِ فِي الْمَدِينَةِ وَكانَ تَحْتَهُ كَنْزٌ لَهُما وَكانَ أَبُوهُما صالِحاً فَأَرادَ رَبُّكَ أَنْ يَبْلُغا أَشُدَّهُما وَيَسْتَخْرِجا كَنزَهُما رَحْمَةً مِنْ رَبِّكَ وَما فَعَلْتُهُ عَنْ أَمْرِي ذلِكَ تَأْوِيلُ ما لَمْ تَسْطِعْ عَلَيْهِ صَبْراً في الأولى قال ( القرية ) وفي الأخرى قال ( المدينة ) والمراد بهما بقعة واحدة ، وليس من شك في أن من وراء اصطفاء القرية أو لا مقتضيا غير المقتضي الذي اصطفى كلمة ( المدينة ) في الأخرى يلقى البقاعي بصيرته إلى السياق والغرض المنصوب له الكلام ، وإلى مدلول مادة كل كلمة من هاتين الكلمتين يقول في الأولى ( ي : 77 ) : " عبر عنها - هنا - بالقرية دون المدينة ؛ لأنّه أدلّ على الذّمّ ؛ لأنّ مادة " قرأ " تدور على الجمع الذي يلزمه الإمساك . . . ثمّ وصفها ليبين أنّ لها مدخلا في لؤم أهلها بقوله تعالى " استطعما " وأظهر ، ولم يضمر في قوله " أهلها " لأنّ الاستطعام لبعض من أتوه ، أو كلّ من الإتيان والاستطعام لبعض ، ولكنه غير متحد ، وهذا هو الظاهر ؛ لأنّه هو الموافق للعادة " « 1 » ثمّ يقول في الآية الأخرى ( ي : 82 ) : " ولمّا كانت القرية لا تنافي التسمية بالمدينة ، وكان التعبير بالقرية أولا أليق ؛ لأنها مشتقة من معنى الجمع ، فكان أليق بالذّمّ في ترك الضيافة ؛ لإشعاره ببخلهم حالة الاجتماع ، وبمحبتهم للجمع والإمساك ، وكانت المدينة بمعنى الإقامة ، فكان التعبير بها أليق ؛ للإشارة إلى أنّ الناس يقيمون فيها ، فيتهدم الجدار ، وهم مقيمون ، فيأخذون الكنز " « 2 » عمد " البقاعي " إلى النظر في ما تقوم عليه مادة كلّ من كلمتي : " القرية " و " المدينة " وما يراد من آية كل ، فأبصر تناسبا بين مادة كلّ وسياقها
--> ( 1 ) - نظم الدرر : 12 / 114 ( 2 ) - نظم الدرر : 12 / 122